الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

150

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

له بالاعتبار بخلاف القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وحصول وجوب عقلي متبوع لأمره تعالى أو تابع له إذ لا معنى لاتحاد الإيجاب معه بحسب الحقيقة حسبما عرفت وهذا هو مقصود السيد العميدي حيث ذكر بعد بيان الفرق بين الإيجاب والوجوب أن الفرق يتم على مذهب المعتزلة دون الأشاعرة لكنك خبير بأن ذلك مما لا ربط له في المقام فإن الوجوب المقصود في المقام متحد مع الإيجاب على القولين من غير فرق فيه بين المذهبين فالإيراد المذكور ليس في محله هذا وقد أورد أيضا على ما ذكر في وجه النظر بأنه لو سلم اعتبار استحقاق الذم في مفهوم الوجوب الملحوظ في المقام فلا يلزم من كون السؤال دالا عليه ترتب الذم عليه بحسب الواقع لجواز التخلف في الدلالة اللفظية فكان مقصود المجيب أن الأمر والسؤال يدلان على الوجوب بالمعنى المذكور إلا أن حصول الوجوب وثبوته في الواقع يتبع الشرع دون دلالة اللفظ فلذا لا يكون حاصلا في السؤال دون دلالة اللفظ الأمر فما ذكر في وجه النظر اشتباه نشأ من الخلط بين دلالة اللفظ على الشيء وتحصيله وإيجاده وفيه أن ما ذكر من جواز تخلف المدلول عن الدال في الدلالات اللفظية إنما يتم في الإخبارات وأما الإنشاءات فيمتنع تخلف المدلول عنها كما هو معلوم من ملاحظة التمني والترجي والنداء وغيرها فلو كان مدلول الأمر هو وجوب الفعل بمعنى كونه على وجه يستحق تاركه الذم لم يمكن تخلفه عنه ويمكن دفعه بأن الإنشاء وإن لم يكن يتخلف مدلوله عنه عند استعمال اللفظ فيه لكون اللفظ فيه هناك آلة لإيجاد معناه إلا أنه ليس مفاد الأمر بناء على تفسير الوجوب بالمعنى المعروف اتحاد ذلك الوجود في الخارج بل مفاده حينئذ هو إنشاء إيجاده على حسب جعل الجاعل وهو لا يستلزم وجوده في الخارج إلا مع اقتدار الجاعل على إيجاده في الخارج بمجرد الإنشاء المذكور ألا ترى أنه لو صدر منه إنشاء الوجوب بنحو قوله أوجبت عليك الفعل مريدا به الوجوب المصطلح كان اللفظ مستعملا في ذلك مع عدم تفرع الوجوب عليه في الخارج إلا مع حصول ما يتوقف وجوده عليه ويوضح الحال فيما ذكرناه ملاحظة الأمر التكويني الصّادر من غير القادر على الجعل والإيجاب فإن مفاد الأمر الصادر منه ومن القادر عليه بمجرد التوجه إليه واحد إلا أنه لا يتفرع الوجود على إنشائه المفروض ويتفرع على إنشاء الآخر ويجري نحو ذلك أيضا في غيرها من الإنشاءات كما في إنشاء البيع والإنشاء في جميع المذكورات إنما يتعلق بالذات بالأمر النفسي دون الخارجي فإن اجتمع شرائط وجوده الخارجي تفرع عليه ذلك وإلا فلا قوله والتحقيق أن النقل المذكور إلى آخره قد عرفت مما قررنا استحسان الجواب الأول ويؤيده ملاحظة استقراء سائر الألفاظ إذ لا يعرف لفظ يختلف معناه الموضوع له بحسب اختلاف المتكلمين به مع عدم اختلاف العرف بل لا يعرف ذلك في سائر اللغات أيضا وعلى فرض وقوعه في اللغة فهو نادر جدا وذلك كاف في إثبات اتحاد معنى الصيغة في المعنى حسبما مرت الإشارة إليه فبناء تحقيقه في الجواب على المنع من ثبوت النقل المذكور مشيرا بذلك إلى التزام اختلاف وضع الصيغة في الصورتين ضعيف جدا مضافا إلى أنه كما يتبادر من السؤال والالتماس من غير فرق فإن المنساق من إطلاق الأمر والالتماس والسؤال ليس إلا الطلب الحتمي الذي لا يرضى ذلك الطالب بتركه فظهر أن النقل المذكور معتضد بما ذكرناه فمنعه في المقام غير متجه قوله وإلا لزم الاشتراك المخالف للأصل كأنه أراد بذلك بيان كون القول بكونها مجازا في الندب والقدر المشترك بينهما على وفق الأصل بعد إثبات كونها حقيقة في خصوص الوجوب فأراد بذلك قلب الدليل على المستدل فلا يرد عليه أن ما دل من الأدلة على كونها حقيقة في الوجوب على فرض صحتها كما دلت على كونها حقيقة فيه دلت على كونها مجازا في غيره فلا حاجة في الاستناد إلى مجازيته فيهما إلى الأصل المذكور فإن ذلك دليل آخر على بطلان ما ذكره والمقصود هنا الرجوع إلى الأصل فقلب الدليل عليه بعد الضميمة المذكورة قوله لأن استعماله في كل من المعنيين بخصوصه مجازا أورد عليه بأن استعماله في كل من المعنيين بخصوصه وإن كان مجازا إلا أنه لا يلزم من القول بكونه حقيقة في القدر المشترك كون استعماله فيهما على النحو المذكور إذ قد يكون استعماله فيهما من حيث حصول الكلي في ضمنها واتحاده بها فيكون استفادة الخصوصية من الخارج وحينئذ فلا مجاز وبالجملة أن الكلام في الاستعمالات الواردة ولا يلزم فيها شيء من الاشتراك والمجاز بناء على القول المذكور بخلاف ما لو قيل بكونه موضوعا لكل من الخصوصيتين أو باختصاصه بأحدهما ولزوم التجوز على فرض استعماله في خصوص كل من المعنيين مما لا ربط له بالمقام بما هو ملحوظ في المقام ثم لا يذهب عليك أن القول بوضع الصيغة للقدر المشترك واستعمالها فيه لا ينافي ما تقرر عند المتأخرين من وضع الأفعال بحسب هيئاتها لخصوص الجزئيات حيث إن الوضع فيها عام والموضوع له خاص كالحروف فإنهما من قبيل واحد بحسب الاستعمال فكما أن الحروف لا تستعمل إلا في خصوص الجزئيات ولا يصح استعمالها في المعنى الكلي فكذا الحال في هيئات الأفعال فإن لفظة اضرب مثلا لا يراد بها إلا الطلب الجزئي القائم بنفس المتكلم لا المفهوم العام ولذا أطبق المتأخرون على كونها حقيقة في ذلك الخصوصيّات لئلا يلزم ارتكاب التجوز في جميع تلك الاستعمالات كما قد يلتزم به من يجعل الموضوع له هناك عامّا وذلك للفرق البين بين كون المستعمل فيه حاصلا بملاحظة كونه حصة من حصص مطلق الطلب أو جزئياته وكونه إيجابا أو حصة منه فعدم ملاحظة خصوصيته للوجوب أو الندب في الموضوع له وكونه ملحوظا لا بشرط كون الطلب إيجابيّا أو ندبيا لا ينافي خصوصيته بالنظر إلى ما جعل مرآتا لملاحظته له واعتبار تلك الخصوصية فيما وضع له ألا ترى أن قولك هذا الحيوان إنما يفيد ملاحظة الحيوان الخاص من حيث كونه حيوانا خاصّا فإذا أطلق على الإنسان أو الحمار من حيث كونه حيوانا خاصّا كان حقيقة لا بملاحظة خصوصية كونه إنسانا خاصّا أو حمارا خاصّا فهو بحسب الوضع يعم الأمرين ويكون حقيقة فيهما مع عدم أخذ تينك الخصوصيتين في مفهوم الحيوان وإلا كان خارجا عن مقتضى الوضع وكذا الحال في سائر الألفاظ الموضوعة بالوضع العام للجزئيات حسبما اختار ومعان لفظة هذا مثلا إنما وضعت لجزئيات المشار إليه من حيث إنها مشار إليها لا من حيث كونها إنسانا أو حمارا أو شجرا فالموضوع له هناك مما لم يلحظ فيه شيء من تلك الخصوصيات فهو مطلق بالنسبة إليها وإن كان مقيدا بملاحظة كونه جزئيا من المشار إليه فما أورده على الإيراد المذكور بما محصله أن الاستعمال المذكور ليس من قبيل استعمال العام في الخاص ليكون حقيقة